ليس كل ما يلمع ذهباً

ابحث داخل موقعنا الاجتماعي

جارٍ التحميل...

استمـع إلــى القـرآن الكريـم

مواقع فى العلوم الاجتماعية

برنامـج Spss الإحصـــــائي

كيف تجتـاز اختبار التوفـــل ?

كيف تجتاز الرخصة الدوليـة ?

متصفحات متوافقة مع الموقع

شريط أدوات العلوم الاجتماعية

إنضم إلينا على الفيـس بوك

قناتنا الاجتماعية علي اليوتيوب

شاركنا بأفكارك على تويتر

الأخبار الاجتماعية عبر RSS

تصـفـح موقعنا بشكل أسرع

العلوم الاجتماعية علي فليكر

المواضيع الأكثر قراءة اليوم

أرشيف العلوم الاجتماعية

زائرى العلوم الاجتماعيـة

هام وعاجل:

على جميع الباحثين الاستفادة من محركات البحث الموجودة داخل الموقع لأنها تعتبر دليلك الوحيد للوصول إلى أي معلومة داخل الموقع وخارجه عن طريق المكتبات الأخرى وهذا للعلم .... وفقنا الله وإياكم لما فيه الخير.

--------------------------------

على جميع الباحثين والدارسين إرسال استمارات الاستبيان في حالة طلب تحكيمها من إدارة الموقع على هيئة ملف وورد لنتمكن من وضع التحكيم داخلها ... وذلك عن طريق خدمة راسلنا بالموقع مع ذكر البريد الاليكتروني لشخصكم لكي نعيد إرسال الاستمارة لكم مرة أخرى بعد تحكيمها... إدارة موقع العلوم الاجتماعية.

- البدايات الأولى للتنظير الأنثروبولوجى
- الإتجاه التطورى: البدايات الأولى
(1)البدايات الأولى للتنظير الأنثروبولوجي
خلال القرنين 15 و16 كان الرحالة الأوربيون قد جلبوا معهم لدى عودتهم من أسفارهم معلومات جديدة عن شعوب ما كان للأوربيين سابق معرفة بها. وخلال القرون اللاحقة امتدت حركة التوسع الكشفي التجاري والإستعمارى التى خرج معها العالم الأوربي من مكتبات جامعاته ليتجول فى أصقاع غير مكتشفة له ليصل الى إدراك حقيقة إخوة له من بنى الإنسان يختلفون عته مأكلاً ومشرباً وسلوكاً. فكانت الدهشة الأولى: إنهم "البدائيون" الذبن تكتشفهم الأنثروبولوجيا الجديدة. وبعد أن لبس العالم ثوب البدائي وحكى لغته وعاش معه لفترات...كانت الدهشة الثانيَّة. هذا "البدائي" ليس متخلفاً كما صورته المعلومات المختزنة فى العقل الأوربي منذ فترات...إن له طريقة حياته التى تختلف عن حياة الأوربي، وله منطقه الخاص. وبعد جولات جديدة جاءت دهشة ثالثة...يختلف منطق "البدائي" عن منطق الأوربي، لكنه منطق متماسك، إن له عالمه الخاص المتماسك بقيمه وبمنطقه وشعائره وطرق إيمانه.
هكذا أخذت فى الظهور كتابات يؤلف بعضها خامة جيدة لدراسة بعض العناصر الثقافيَّة. من أهم تلك الكتابات الدراسة الضخمة المكونة من أربعة مجلدات قام بوضعها المبشر الفرنسي الأب جوزيف لافيتو فى النصف الأول من القرن الثامن عشر نتيجة تجربة خمس سنوات قضاها بين أفراد الهنود الأمريكيون الإيروكيز فى شمال شرقي الولايات المتحدة الأمريكيَّة. انتهت دراسة لافيتو الى أن التنظيمات الاجتماعية عند الإيروكيز تساوى التنظيمات البدائيَّة لبنى الإنسان. واكتشف لافيتو وجود تشابه بين النظام الامومى عند الإيروكيز مع ذلك النظام ما قبل التاريخى الذى وصفه هيرودوت (480-425 ق.م.) عند سكان ليكيا فى آسيا الصغرى. ولكون لافيتو حاول تفسير وجود هذا التشابه باحتمال انتشار هذا النظام من آسيا الصغرى الى أمريكا فإنه يجوز عد لافيتو من أوائل القائلين بمبدأ الانتشار الثقافي diffusion of culture.
أثارت كتابات لافيتو والرحالة والمبشرين الذين سبقوه من أمثال بارتولوميو دى لاس كازاس (1502)، تاجر الرقيق الذى تحول الى الرهبنة والتبشير فى أمريكا الوسطى، والدببلوماسى النمساوي سيجموند هربرشتاين الذى كتب عن الروس والفينو-اوجريين (1577)، وشيفر الذى كتب عن النظم الشامانية فى شمال سكاندنافيا (1675)، ودابر الذى سافر كثيراً فى أفريقيا وكتب عن الأفارقة وعاداتهم (1686)، وبينز كالب الذى وضع مؤلفاً عن شعب الهوتنتوت (السان) فى جنوب أفريقيا (1700) وغيرهم، أثارت رد فعل بين الفلاسفة والمفكرين الأوربيين فى القرنين 17و18 والذين حاولوا صياغة قوانين عامة يمكنها أن تشرح بطرق طبيعيَّة تطور المجتمعات البشريَّة عبر مراحل من التقدم. وشكلت أعمال أولئك الفلاسفة والمفكرين الأساس الذى نشأت عليه التطوريَّة الثقافويَّة إتجاهاً نظرياً فى الأنثروبولوجيا فى القرن 19 بخاصة لدى لويس هترى مورغان وادوارد برنت تايلور.
ففى إيطاليا قدم جيامباتستا فيكو (1668-1744) نظريته حول الدورة التاريخيَّة التى يشير فيها الى أن المجتمع لا بدَّ أن يتطور وفقاً لقوانين داخليَّة معينة. طبقاً لذلك رأى فيكو أن كل أمة تمر بثلاث مراحل فى تطورها: المرحلة الإلهيَّة، والمرحلة البطوليَّة، والمرحلة الإنسانيَّة، وهى مراحل تمثل دورة الحياة الإنسانيَّة- الطفولة والشباب والنضج. وتمثل الدولة التى لا تنشأ إلا فى المرحلة البطوليَّة، سيطرة الأرستقراطية. ويحل محل الدولة فى المرحلة الإنسانيَّة مجتمع ديمقراطي تنتصر فيه الحرية و"العدالة الطبيعيَّة". ويتبع هذا، وهو ذروة التقدم الإنساني، إنهيار بحيث يعود المجتمع الى حالته الأولى الإلهيَّة، ثم يستأنف حركته الصاعدة مجدداً لتبدأ دورة جديدة.
تظهر بعد ذلك تأملات شارل دى مونتسكيو (1689-1755) التى تجعله من مؤسسى نظريَّة الحتميَّة الجغرافيَّة بادعائه أن السيماء الأخلاقيَّة للشعوب وطابع قوانينها وأشكال حكوماتها يحددها المناخ والتربة ومساحة الإقليم. فى كل عمل مونتسكيو تنتشر فكرة أن القوانين تؤلف نظاماً " ثمة أشياء عديدة تحكم الناس: المناخ والدين والقوانين والمبادئ الأساسيَّة للحكومة وأمثلة الأشياء الماضيَّة والطبائع والآداب ". قد تبدو اللائحة للوهلة الأولى مجرد تعداد، لكن مونتسكيو يدخل معياراً يسمح بتمييز الطريقة التى تؤثر فيها هذه الضغوط المختلفة على الأنواع المتباينة للقوانين. كلما كان التمايز فى المجتمع أقل، كلما كان الأساس " التشكلى " (المناخ والبيئة والبنية الديموغرافيَّة) أكثر إلزاماً. كلما كان الناس أكثر " تمدناً " كلما إزداد استناد قانونيَّة النظام الإجتماعى على القوانين والطبائع والآداب. يميز مونتسكيو التعابير الثلاثة، لكنه يميز أولاً الاثنين الأخيرين عن الأول. إن الصين حيث ينم الانتظام عن طريق " الآداب " و" العبادات والطقوس "، تختلف عن إسبارطة حيث الأولويَّة كانت دائماً " للطبائع "، أى لقواعد السلوك إزاء الآخر. فبعد أن ميز بينها يعود فيجمع الطبائع والآداب التى يضعها معاً فى مواجهة القوانين التى هى " أعراف أقرها المُشرع ". إن الشعوب الحرة هى التى يحكمها القانون، فى حين أن البلدان التى تسيطر فيها الطبائع والآداب تكون عرضة للإستبداد والطغيان. لكن الضبط عن طريق القوانين هو نفسه معقد وموضع خلاف. صحيح أن الحريَّة السياسيَّة، كما يوحى بذلك مثل إنجلترا، يمكن أن تنتج طبائع وآداب حرة فى نطاق التجارة والحياة الخاصة. ولكن يمكن أن يحصل كذلك، كما فى إسبرطة وروما، ان لا تكون القوانين إلا اصطناعا من المُشرع الذى يسعى الى استعادة " العادات القديمة "، أي الى استعادة الطبائع والآداب، سلطة كانت قد فقدتها. وبما أن قوانين كل بلد تشكل نظاماً، فإننا نستطيع أن نقارن بين هذه البلدان. يقارن مونتسكيو إنجلترا بروما، والصين باسبرطة، لكنه يبدى حذره لكي يحدد تحت أية علاقة يقارنها، يمكن لمجتمعين أن يتشابها تحت علاقة ما، فى حين أنهما مختلفان تحت علاقة أخرى.
ونادى آن روبير جاك تيرغو (1727-1781) بالفكرة القائلة بأن تقدم المجتمع يرتبط ارتباطا وثيقاً بتطور الحياة الاقتصادية. وكان تيرغو يعترف بأهميَّة النمو الإقتصادى وتقدم العلم والتقنيَّة لما فيه صالح التطور الإجتماعى، واعتقد بأن " الناتج الصافي "، أى فائض القيمة يتم خلقه فى مجال الإنتاج لا فى مجال التداول، وقدم بعض الأفكار عن التقسيم الطبقي للمجتمع وجوهر الأجور.
أما جان أنطوان كوندورسيه (1743-1794) ففقد دعا الى طرح الخرافات جانباً وتطوير المعرفة العلميَّة. يتصور كوندورسيه التاريخ نتاجاً للعقل الإنساني معلناً بأن النظام البورجوازى هو قمة المعقوليَّة و " الطبيعة ". قسم كوندورسيه التاريخ الى عشر فترات على أساس الصفات الاتفاقية، وأخذ على عاتقه مهمة تبرير أن الرأسماليَّة تضمن تقدماً لا نهائياً. وعارض كوندورسيه نظام المقاطعات الاجتماعية، وحارب من أجل المساواة السياسيَّة داعياً الى استئصال الحكم الدكتاتوري والى التطور الحر للفرد. لكنه اعتقد فى الوقت نفسه أن عدم المساواة فيما يتعلق بالملكيَّة أمراً مفيداً.
وأقام كلود هنرى سان سيمون (1760-1825) مبدأ الفلسفة الطبيعيَّة، أى دراسة الطبيعة فى مواجهة التقاليد المثاليَّة بخاصة المثاليَّة الألمانيَّة. واعتنق الحتميَّة بصورة حاسمة ومدَّ نطاقها الى تطور المجتمع البشرى موجهاً اهتماما خاصاً بدعم الفكرة القائلة بأن التاريخ تحكمه قوانين. وكان يعتقد أن التاريخ لا بدَّ أن يسهم فى التقدم البشرى بالقدر الذى تسهم به العلوم الطبيعيَّة. فكل نظام إجتماعى هو خطوة للأمام فى التاريخ. ولكن القوى المحركة للتطور الإجتماعى هى تقدم المعرفة العلميَّة والأخلاق والدين. وبالتالي فإن التاريخ يمر بثلاث مراحل: لاهوتيَّة (وهى فترة سيطرة الدين) وتشمل النظامين العبودى والإقطاعي، وميتافيزيقيَّة (وهى فترة سقوط النظامين العبودى والإقطاعي)، ووضعيَّة (وهى النظام الإجتماعى المستقبلي القائم على العلم). وقد ساعده مفهومه الإجتماعى على أن يبين أن كل نظام إجتماعى ينبثق انبثاقا طبيعياً من التطور التاريخى السابق له. وسوف يقوم المجتمع المستقبلي على أساس صناعة واسعة النطاق منظمة تنظيماً علمياً، ولكن مع الاحتفاظ بالملكيَّة الخاصة والطبقات، وسوف يكون الدور الرائد فيه من نصيب العلم والصناعة وسينهض به العلماء ورجال الصناعة. وينبغي أن يعطى حق العمل لكل إنسان كل حسب قدرته.
وفى عام 1859 ظهر عمل شارلس داروين (1809-1882) " أصل الأنواع " الذى جاء إيذاناً باندلاع عاصفة لم تنقشع حتى يومنا هذا. لقد تمَّ بفضل عمل داروين تفسير لغز الأنواع: الأنواع غير ثابتة بل هى متحولة تطورت عن أنواع أخرى عبر بميكانيزم الاصطفاء الطبيعي. وشرح داروين فى كتابه المذكور مفهوم التطور فى خمس نقاط يمكن اختزالها فى الآتي:
أولاً: أن كل الأنواع قادرة على إنتاج نسل بصورة أسرع مما هو عليه الحال بالنسبة للزيادات فى إنتاج الطعام.
ثانياً: تظهر كل الكائنات الحيَّة تنوعات، فليس هناك من فردين للنوع الواحد متشابهين تماماً.
ثالثا:ً بما أن عدد الأفراد الموجودين أكثر مما يفترض بقاءه فإن صراعاً مريراً ينشأ تكون الغلبة فيه لأولئك الأفراد الذين يؤلفون نوعاً إيجابياً كماً، وقوة، ومقدرة على الجري أو أية خصائص إيجابيَّة أخرى ضروريَّة للبقاء.
رابعا: تنتقل تلك التنوعات الإيجابيَّة بالوراثة الى الجيل اللاحق.
خامساً: تنتج تلك الأنواع الناجحة، على مدى فترات من الزمن الجيولوجي، اختلافات تؤدى الى ظهور أنواع جديدة.
وكان العلماء فى وقت سابق يرون فى الأنواع وحدة غير متغيرة إذ أنه إذا تبدلت الأنواع فلن تكون أنواعاً. فالأنواع كانت، إذن، فى أساس المناقشات حول النباتات والحيوانات ولم تكن للأفراد أهميَّة فى داخل الأنواع. من هنا صَعُّب على العديد من العلماء رؤية الكيفيَّة التى يمكن بها حدوث التغير. وكان داروين يرى أن تنوع الأفراد هو ما قد يفسر كيفيَّة حدوث التغير. التنوعات الأكثر كفاءةً تمَّ اصطفاءها عن طريق الطبيعة للبقاء بينما الأقل كفاءةً تمَّ استثناءها. ومن ثمَّ فإنَّ مفكري علم السكان أصبحوا يؤكدون على تفرد كل شئ فى العالم العضوي. الأهم بالنسبة لهم هو الفرد لا النوع. إنهم يؤكدون على أن كل فرد من الأنواع التى تعيد إنتاج نفسها جنسياً هو نوع مختلف فرداً عن كل الآخرين. ليس هناك فرد نموذجي فى تصورهم. وقد تمَّ التأكيد على تفرد الفرد (أي التنوع الذى يحدث فى كل المجموعات السكانيَّة- بمعنى أن السكان هم مجموعة من الأفراد المتفاعلين، لا نوعاً) وهذا هو ما قاد داروين الى مفهوم الاصطفاء الطبيعي ميكانيزماً مكَّن التطور من أن يكون فاعلاً. فالاصطفاء الطبيعي يفعل فى الأفراد، إيجاباً أو سلباً، لكن السكان هم الذين يتطورون. وحدة الاصطفاء الطبيعي أصبحت انطلاقا من هذا الفهم هى الفرد بينما أصبح السكان هم وحدة التطور.
هكذا فإن نظرية التطور فى الطبيعة الحيَّة كما صاغها داروين يمكن اختزالها فى أن العوامل الرئيسة فى تطور الكائنات الحيَّة هى التحول والوراثة والاصطفاء الطبيعي. الأصلح بين الكائنات الحيَّّة هو وحده الذى يبقى ويتكاثر فى الصراع من أجل البقاء تحت تأثير البيئة الخارجيَّة. ويُحسن الاصطفاء الطبيعي بصورة مستمرة بنيان الكائنات العضويَّة ووظائفها دافعاً قدرتها على التكيف مع الأشياء الخارجيَّّة المحيطة...هكذا لم يعد العلم بعد داروين كما كان عليه أبداً.
(2)الاتجاه التطوري: البدايات الأولى
على قاعدة هذا التقدم الفكرى والعلمى المحقق فى القرن 18 والنصف الأول من القرن 19 بدأ ظهور الأنثروبولوجيا الحديثة مفهوماً وموضوعاً ومنهجاً. ففى الفترة 1860-1880 انبثقت التطوريَّة الثقافويَّة اتجاها نظرياً رئيساً فى الأنثروبولوجيا. كان مؤلف باخوفن "حق الأم"، ومؤلف هنرى مين "القانون القديم" الذين صدرا كلاهما فى عام 1861 باكورة مؤلفات المدرسة التطوريَّة فى الأنثروبولوجيا. أعقبهما فى عام 1865 مؤلف تايلور "أبحاث فى التاريخ المبكر للجنس البشرى". وفى عام 1869 ظهر مؤلف مورغان "أنظمة القرابة والمصاهرة فى الأسرة البشريَّة". وظهر مؤلف تايلور "المجتمع البدائي" فى عام 1871، ومن ثمَّ مؤلف مورغان "المجتمع القديم" فى العام 1877.
أحرزت الأنثروبولوجيا بمفهومها الحديث وتوجهها النظري التطوري تقدماً ملحوظاً منذ النصف الثاني من القرن 19 تحديداً مع بدايات الحركة الإمبرياليَّة التى مكنت الكثير من دول أوربا الغربيَّة فى فرض سيادتها على العديد من المجتمعات غير المعقدة والمنعزلة جغرافياً وثقافياً، وهى المجتمعات التى أطلق عليها الأنثروبولوجيون فى المراحل السابقة تسميات متنوعة: "المجتمعات البدائيَّة" و"الطبيعيَّة" و"المتوحشة". أتاحت حركة التوسع الإمبريالي الغرب أوربي الفرصة لعلماء الأنثروبولوجيا الأوربيين التعرف على العديد من المجتمعات غير المعقدة والمنعزلة جغرافياً ودراستها وتحليل بنياتها الثقافيَّة والاجتماعية. وقد دفعهم الى ذلك عدة أسباب نذكر منها: (1) محاولة ربط ما تمَّ الكشف عنه من معطيات نتيجة تقدم أعمال التنقيب الآثارى فى مواقع ما قبل التاريخ الأوربيَّة والعالميَّة بثقافات الجماعات "البدائيَّة" المنعزلة وذلك عن طريق التعرف على بنياتها وعاداتها وتقاليدها وطقوسها الدينيَّة وفنونها الخ. (2) اختبار الفرضيَّات القائلة بكون تلك الثقافات "البدائيَّة" المعاصرة تمثل المراحل الأولى للتطور الثقافي لبنى الإنسان عموماً، أى تسخير الدراسات الأنثروبولوجيَّة للتعرف على خصائص أنماط الحياة البدائيَّة بحسبانها نموذجاً حياً معاصراً من أنماط الحياة السابقة "الطبيعيَّة" فى المراحل التاريخيَّة الوحشيَّة والبربريَّة.."الإهتمام من ناحية اجتماعية على جماعة الفلاحين البدائيين الذين تختلف حياتهم عن طرق حياة الأوربيين والحضارة الغربيَّة..دراسة هذه الجماعات البدائيَّة ليست مثيرة فقط ومهمة للمشتغلين فى البلدان المختلفة، ولكنها تنير طريق دراسة العادات والمعتقدات الأوربيَّة". (3) نتيجة لما توفره تقارير الرحالة والمبشرين عن تلك الجماعات التى عاشوا وسطها وتعرفوا على ثقافاتها، سعت الدراسات الأنثروبولوجيَّة الى سد النقص فى سلسلة المعارف والمعلومات عن مجتمعات غير غربيَّة يختلف نمط حياتها عن نمط الحياة الأوربيَّة. (4) سياسياً تساعد تلك الدراسات السلطات الاستعمارية فى إحكام قبضتها على المجتمعات المقهورة المستعمرة إدارياً..."لقد قمنا بدراسة شعوب الأراضى المنخفضة بشكل لم يقم به منتصر آخر، وبشكل لم تدرس أو تفهم فيه قبيلة خاضعة للسيطرة. فنحن نعرف تاريخهم وعاداتهم وحاجاتهم ونقاط ضعفهم بل وأحكامهم المسبقة، وهذه المعرفة الخاصة قد أتاحت لنا توفير قاعدة للإرشادات السياسيَّة التى يمكن ترجمتها بالحذر الإدارى والإصلاح اللازم فى حينه، وهذا ما يرضى الرأي العام". (5) استغلال الأنثروبولوجيا لأغراض "الاستعمار العلمي"..وصف شروط الوجود البدائي فى المرحلة السابقة لدخول الاستعمار، بحيث تصف نمط هذا الوجود قبل أن يصار للقضاء عليه، أو تتناول وصف شروط هذا الوجود كما خلقه الاستعمار، أى يتحول حقل الأنثروبولوجيا الى دراسة التغير الإجتماعى أو "التثاقف".
من أهم ما يميز النصف الثاني للقرن 19 هو سيادة نظريَّة التطور الداروينيَّة. من خلال الداروينيَّة نمت الأنثروبولوجيا الفيزيقيَّة نمواً هائلاً. فى فرنسا قام بول بروكا بفصل جمعيَّة باريس الأنثروبولوجيَّة فى عام 1859 عن الجمعيَّة الاثنولوجيَّة التى كانت قد أنشئت منذ العام 1939. وفى بريطانيا أنشأ جيمس هنت الجمعيَّة الأنثروبولوجيَّة البريطانيَّة. وظهرت فى فرنسا دراسات بوشيه دى برث عن آثار ما قبل التاريخ التى تمَّ الكشف عنها فى وادى السوم والتى تركت تأثيراً كبيراً على تقدم الاتجاه التطوري الثقافوي فى دراسة الثقافات الإنسانيَّة. وفى ألمانيا بدأت الدراسات الأنثروبولوجيَّة الحديثة على يد تيودور فايتز الذى أكَّد فى الجزء الأول من كتابه "أنثروبولوجيَّة الشعوب الطبيعيَّة" الصادر فى عام 1858 (قبل عام من نشر عمل داروين) على أن اختلاف الشعوب فيما بينها يرجع الى تأثيرات البيئة عامة والمناخ خاصة، والى نوعيَّة الغذاء ونمط الحياة والى التطور الثقافي والطفرات. ويؤكد فايتز أن كافة الشعوب قد بدأت من درجة الصفر: الإنسان الطبيعي بدون مدنيَّة. ويؤكد أن الاختلافات فى درجات التطور لا ترجع الى هبات أو قدرات عقليَّة، فهذه متساويَّة عند جميع الناس. نجمت الاختلافات عن اختلاف الفرص التى هيأتها الظروف الطبيعيَّة وخاصة المناخ والموقع الجغرافى والعلاقات التاريخيَّة.
وتعرض فايتز لمبدأ الإنتشاريَّة فى مواجهة النشأة المستقلة لكثير من العناصر الثقافيَّة المتشابهة. وأشار الى ظاهرة الكوفادة التى يتكرر ظهورها فى مجتمعات متباعدة جغرافياً: أفريقيا، وإقليم الباسك الإسبانى، والأناضول القديمة، وأندونيسيا، وأمريكا الجنوبيَّة. ولم يحاول فايتز تفسير الكوفادة أو غيرها من الظواهر الثقافيَّةز يميل فايتز عموماً الى مبدأ الإنتشاريَّة بخاصة عند معالجته للتشابهات الثقافيَّة الكبرى مثل تلك الملاحظة بين كل من أمريكا الشماليَّة وسيبريا، والهند وبولونيزيا. ويؤكد أن التشابه فى نظام تقسيم السنة عند الآسيويين والمكسيكيين يعود الى الانتشار رافضاً احتمال استقلالية النشأة فى كل من المنطقتين على حدة. ويحدد مسار حركة الإنتشار من آسيا الى أمريكا عبر مضيق بيهرنج مع عدم إستبعاد لإمكان حدوث الإنتشار من آسيا الى المكسيك عبر جزر المحيط الهادى مباشرة.
وفى عام 1861 ظهر كتاب عالم الأنثروبولوجيا النمساوي يوهان ياكوب باخوفن (1815-1887) المعنون "حق الأم". وضع باخوفن فى هذا الكتاب تتابعاً زمنياً لنظم الزواج والأسرة والميراث والتركيب الإجتماعى. وتتلخص آراء باخوفن فى أنه كانت هناك عدة مراحل أقدمها مرحلة "الاختلاط الجنسي"، تليها مرحلة ثورة المرأة على هذه الأوضاع وتأسيسها لما يسمى بمرحلة النظام الأمومى الذى تثبت فيه صلات الأمهات بالأبناء، ويسمى باخوفن هذه المرحلة ب"الأمازونيَّة". ويربط باخوفن هذا النظام بمجموعة من الوظائف الإجتماعيَّة: الأسرة الاموميَّة، والنسب الأموى، والإرث الأموى، ونظم دينيَّة تسيطر عليها آلهة الأرض، وتقوم فيها النساء بدور رئيس فى النظام الكهنوتي، بالإضافة الى شيوع عادات وطقوس الخصوبة. وأخيراً يسيطر القمر (بصيغته مؤنثاً) على الشمس. ثم تأتى المرحلة الثالثة حيث تسقط وظيفة المرأة السياسيَّة والدينيَّة ويحل محلها النظام الأبوي. وتظهر فى هذه المرحلة الأسرة الحقيقيَّة وتسيطر آلهة السماء على آلهة الأرض والشمس على القمر. لكن بقايا النظام الامومى لا تزال تظهر فى بعض العناصر الثقافيَّة مثل نظام وراثة إبن الأخت للخال (وهو ما كان سائداً فى كوش حتى بداية عصرها الإسلامى)، ونظام الكوفادة، ونظام الزواج الاموى المكان ..الخ.
ولا شكَّ أنَّ المراحل الثلاث تلك هى مجرد تركيب نظرى بحت بخاصة المرحلة الأولى. وقد اعتمد باخوفن على كتابات هيرودوت عن النظام الامومى فى ليكيا. ورغم أن لافيتو كان قد سبق باخوفن فى دراسة النظام الامومى كما أسلفنا، فإن دراسة الأول كانت ذات طبيعة تاريخيَّة محضة لتطور النظام عند الإيروكيز، هذا فى حين جاءت دراسة باخوفن نابعة عن وظيفة النظام الامومى ودوره فى التركيب الإجتماعى.

0 التعليقات:

أترك تعليقك هنا... نحن نحترم أراء الجميع !

Related Posts with Thumbnails

Choose Your Language Now

ابحث في المكتبات الاجتماعـية

Loading

قسم الاستفسارات السريعة

اشترك معنا ليصلك الجديد

إذا أعجبك موقعنا وتريد التوصل بكل المواضيع الجديدة ،كن السبّاق وقم بإدخال بريدك الإلكتروني وانتظر الجديد

لا تنسى تفعيل الإشتراك من خلال الرسالة البريدية التي سوف تصلك علي بريدك الإلكتروني.

المواضيع التي تم نشرها حديثا

شكر خاص لزائرينا الكرام

شاركونا تعليقاتكم على أى موضوع وسوف نقوم بالرد عليها فور وصولها شكراً لزيارتكم موقعنا .. العلوم الاجتماعية .. للدراسات والأبحاث الاجتماعية,ومقالات علم الاجتماع والخدمة الاجتماعية,وعلم النفس والفلسفة,وباقي فروع العلوم الاجتماعية الأخرى .. العلوم الاجتماعية © 2006-2014

أهمية الوقت في حياتنا

تقييم العلوم الاجتماعية