ليس كل ما يلمع ذهباً

ابحث داخل موقعنا الاجتماعي

جارٍ التحميل...

استمـع إلــى القـرآن الكريـم

مواقع فى العلوم الاجتماعية

برنامـج Spss الإحصـــــائي

كيف تجتـاز اختبار التوفـــل ?

كيف تجتاز الرخصة الدوليـة ?

متصفحات متوافقة مع الموقع

شريط أدوات العلوم الاجتماعية

إنضم إلينا على الفيـس بوك

قناتنا الاجتماعية علي اليوتيوب

شاركنا بأفكارك على تويتر

الأخبار الاجتماعية عبر RSS

تصـفـح موقعنا بشكل أسرع

العلوم الاجتماعية علي فليكر

المواضيع الأكثر قراءة اليوم

أرشيف العلوم الاجتماعية

زائرى العلوم الاجتماعيـة

هام وعاجل:

على جميع الباحثين الاستفادة من محركات البحث الموجودة داخل الموقع لأنها تعتبر دليلك الوحيد للوصول إلى أي معلومة داخل الموقع وخارجه عن طريق المكتبات الأخرى وهذا للعلم .... وفقنا الله وإياكم لما فيه الخير.

--------------------------------

على جميع الباحثين والدارسين إرسال استمارات الاستبيان في حالة طلب تحكيمها من إدارة الموقع على هيئة ملف وورد لنتمكن من وضع التحكيم داخلها ... وذلك عن طريق خدمة راسلنا بالموقع مع ذكر البريد الاليكتروني لشخصكم لكي نعيد إرسال الاستمارة لكم مرة أخرى بعد تحكيمها... إدارة موقع العلوم الاجتماعية.

السلوكية الاجتماعية المبكرة: النموذج النسقي:
تعتبر هذه الدراسة أن الفرد رشيد ويمثل نتاجاً لمجموعة معينة من العلاقات الاجتماعية، فهي تعتبر أن المجتمع ما هو إلا مجموعة من العلاقات والقيم، وأهم عمليات المجتمع هي التنشئة الاجتماعية والتفاعل المتبادل بين أعضائه وطبقاً لهذه الفكرة اعتبرت الفرد كتاباً خطه المجتمع، ويعكس توجيهات القيم السائدة التي نشأت في داخل محتوى اجتماعي معين، مثل هذه النظرة المعيارية النسقية عن الحقيقة الاجتماعية نجد لها تعبيراً صادقاً فيما كتبه كل من فبر وميد.
ماكس فبر:
عالم اجتماع ألماني ولد عام 1864م كان مهتماً بروح الإنسانية وخاصة بالقيم معتبراً الفرد فاعلاً أكثر من مجرد صنيعة للتاريخ.
أهدافه:
عرف فبر علم الاجتماع على أنه (العلم الذي يحاول شرح وفهم الفعل الاجتماعي من أجل الوصول إلى التفسير السببي لسبب حدوث الفعل وآثاره)، ويلاحظ أن هذا التعريف يتضمن عدة عناصر محورية (أ) محاولة التفسير أو الفهم، (ب) التركيز على الفعل الاجتماعي أي السلوك الملتصق به المعنى الذاتي وهو يعني بذلك التركيز على القيم الاجتماعية كعنصر أولي في توجيه السلوك الفاعل، (ج) وأخيراً محاولة صنع تفسير سببي لهذه الظاهرة.
وهكذا نجد أن فبر كان مهتماً بالفهم العلمي للسلوك الاجتماعي إذ اعتبره بؤرة علم الاجتماع، ومن ثم ركز فبر على الفهم الموضوعي للقيم الاجتماعية في محتوى تاريخي، وحاول تقدير وطأتها الاجتماعية على المجتمع، ومن أجل ذلك درس فبر مواضيع متعددة، مثل الأخلاق البروتستانتية والبيروقراطية والترشيد ذلك أنه كان يعتبر أن علم الاجتماعي لا بد أن يهتم بدراسة القيم المتقاطعة أي المتشابكة التي تحدد السلوك الاجتماعي عند نقطة معينة من تاريخ تطور المجتمع.
وهكذا يمكن ملاحظة أن هذا النوع من الدراسة يختلف تماماً عن دراسات الوحدات الكبرى والنواحي البنائية للمجتمع.
نظرية الفعل الاجتماعي:
يعتبر فبر أن الفعل الاجتماعي له معنى عند الفاعل عندما يفترض الفعل معنى ذاتي كما أنه يأخذ في حسبانه سلوك الآخرين، ومن ثم فالفعل يعتبر موجه نحو الآخرين.
واعتبر فبر أن هناك عدداً من الأنماط المتمايزة للمعنى:
1 – معنى مقصود واقعي للفعل الفردي الثابت، ويعني به المعنى الذاتي.
2 – مستوى الواقعية للفعل المقصود، ويعنى به المستوى المعياري للجماعة.
3 – المعنى الملائم للصياغة العلمية الخالصة، مثل التجريد والنماذج النظرية.
وكل الأنماط الثلاثة تتعلق بأنماط متعددة من التفسير السببي.
اعتبر فبر أن الفعل الاجتماعي مختلف في مستوى الرشد ولقد وضع فبر أربعة أنماط من الفعل الاجتماعي تتراوح بين أقل وأعلى مستوى من الرشد وهي:
1 – الفعل الاجتماعي الموجه بالتقاليد، ويعني به السلوك التقليدي، وهو يقع قريباً من حدود ما يمكن أن يقال عنه فعل يوجه معنى، وأن كان في الغالب يقع في الجانب الآخر، لأنه غالباً ما يكون رد فعل تلقائي للمنبهات المعتادة، فهو عبارة عن السلوك المعتاد الذي تحدده التقاليد، أنه ذلك الحجم الكبير من الأفعال المعتادة يومياً التي ألفها الناس.
2 – الفعل الاجتماعي الموجه بالعاطفة، ويعني به السلوك العاطفي الخالص، وهذا الفعل يقع أيضاً عند حدود المعنى، وغالباً ما يعبر هذا الحدود، فمثلاً قد يتضمن هذا الفعل رد فعل غير مضبوط لبعض المنبهات غير العادية، إنها حالة من التسامي عندما يحدث الفعل المحدد عاطفيا في شكل تحرر الوعي من التوتر العاطفي، وعندما يحدث هذا نكون على الطريق نحو الترشيد.
3 – توجيه رشيد نحو قيم مطلقة، ويعني به الفعل الاجتماعي الذي يحدده مجموعة معينة من الأخلاق والقيم ويتمايز هذا الفعل عن النمط العاطفي، بوعي الفاعل التام بالصيغة النهائية للقيم الحاكمة للفعل، وفي نفس الوقت كل من النمطين (2و3) لهما عناصر مشتركة، أعني أن معنى الفعل لا يكمن في إنجاز نتيجة خلفه، ولكن في إنجاز وإتمام نمط معين من الفعل من أجله وحده، والأمثلة على الفعل العاطفي هو الإشباع لضغط مباشر للانتقام، تكويس الإنسان نفسه لشخص أو فكرة، أو أخيراً العمل على التخلص من التوتر العاطفي.
والأمثلة على التوجيه الرشيد الخالص نحو قيم مطلقة، هو الفعل لأشخاص -الذين بغض النظر عما قد يقع عليهم من التكاليف المحتملة- يفعلون ليمارسوا معتقداتهم التي يشعرون أنها من متطلبات الواجب والشرف والجمال الخالص والدعاوى الدينية والولاء الشخصي.
وعندما يكون الفعل موجه إلى قيم مطلقة،فإنه يتضمن دائماً أوامر أو متطلبات، التي يشعر الفاعل أن عليه واجب القيام بها، إنه فقط في الحالات حيث يحرك الأفعال البشرية إنجاز مثل هذه المتطلبات غير المشروطة، تلك هي الأفعال التي يمكن أن توصف بأنها موجه إلى قيم مطلقة.
4 – فعل موجه عقلياً نحو نسق من الغايات الفردية مميز، عندما تكون الغايات والوسائل والنتائج قد أخذت كلها في الاعتبار عقلياً وقدرت، وذلك يتضمن التأمل العقلي للوسائل والغايات البديلة، وكذلك إمعان النظر العقلي لعلاقات الغايات بالنتائج المتوقعة من استخدام أي وسيلة متاحة، وأخيراً الأهمية النسبية لمختلف الغايات المحتملة، الاختيار بين البدائل والغايات والنتائج المتصارعة قد يحددها التقدير للقيمة المطلقة، وفي هذه الحالة يكون الفعل موجهاً عقلياً إلى نسق من الغايات الفردية المميزة فقط بالنسبة إلى اختيار الوسائل، ومن ناحية أخرى ربما الفاعل بدلاً من أن يبت بين البدائل والغايات المتصارعة في عبارات من التوجيه الرشيد إلى نسق من القيم، فإنه ببساطة يأخذها كرغبات ذاتية ويرتبها بوعي في سلم حسب أهميتها.
ويلاحظ أن فبر ختم هذا التصنيف بقوله إنه من النادر جداً أن نجد أفعالاً اجتماعية قد وجهت فقط تبعاً لواحد أو آخر من هذه الأساليب، وأكثر من ذلك أن هذا التصنيف من أساليب التوجيه لا يعني بأي شكل أنه يستوعب إمكانيات المجال الاجتماعي، ولكن فقط هو عبارة عن صياغة مفهومية لأشكال خالصة من الأنماط ذات أهمية اجتماعية، والتي بالنسبة لها الفعل الحقيقي قد يقترب منها كثيراً أو قليلاً.
كما أنه وإن كان هذا التنميط طبقاً لرأي فبر ليس شاملاً ولا مانعاً إلا أنه يمثل بالأحرى أنماط من التوجيه الاجتماعي تدور من الثقافة ذات النزعة الفردية القليلة والضبط العالي للتقاليد، إلى تلك الثقافة ذات النزعة الفردية العالية ويقل فيها نسبياً ضبط التقاليد.
ولقد عمل فبر على رسم وتوضيح أنواع الشرعية والعلاقات والاتحادات والجماعات، والضبط المنغرس في كل شكل من أشكال التوجيه، من التقليدي إلى العاطفي إلى التوجيه الرشيد الذي تحدده القيم المطلقة، إلى التوجيه الرشيد الذي تحدده الغايات الفردية كالآتي:
1 – في النوع التقليدي، تكون الشرعية مؤسسة على الميول والاتجاهات الدينية، وعلاقات التضامن جمعية، والاتحادات إجبارية، والجماعات المشتركة سياسية، والضبط قائم على النظم الدقيق.
2 – في النوع العاطفي، مؤسس على الولاء العاطفي والمشاركة جمعية وفيه يكون الاتحاد اختياري والجماعات المشتركة ثورية، والضبط يقوم على أساس القوة.
3 – التوجيه الرشيد المحدد بقيم شرعيتها مستمدة مما تقوله هذه القيم، وفيها تكون العلاقات اتحادية، وتكون الاتحادات إجبارية والجماعات المشتركة مقدسة والضبط قائم على النظام.
4 – التوجيه الرشيد نحو نسق من الغايات الفردية يكون مؤسساً على المصالح الذاتية والعلاقات اتحادية، واتحادات إجبارية، والجماعات المشتركة سياسية والضبط قائم على القوة.
وهكذا تكون الأنماط المختلفة من المجتمعات أو الأفعال الاجتماعية مؤسسة على أنماط مختلفة من القيم أو من مستويات الرشد.
نظريته في التغير:
بعد أن صاغ فبر نظريته في الفعل الاجتماعي وموجهاته أقام على أساسها نظريته في التغير الاجتماعي وخاصة أنه (قد بدت لفبر الماركسية نظرية حتمية وحيدة العلية لا يمكن الدفاع عنها أو تأييدها، ومن ثم تصبح مجحفة وغير مناسبة لإعادة بناء العلاقات الاجتماعية أو التاريخية، وشعر فبر أن ماركس كاقتصادي قد ارتكب نفس الخطأ الذي يفعله الانثربولوجيون في أيام فبر، من إقامة نظريات جزئية لما هو عظيم الأهمية، واختصار تعدد العوامل العلية إلى نظرية عامل وحيد).
فقد كان فبر يدرك أهمية العلاقات المتبادلة في كل الوضع النظامي الذي يصنع البناء الاجتماعي، ولهذا كان من أهم وجوه النقد التي وجهها إلى الماركسية هي أنها فشلت في التمييز بين ما هو اقتصادي بحت وبين ما له ارتباط اقتصادي، ويضرب فبر مثلاً على ذلك أن الحجاج إلى روما هم بالتأكيد لهم علاقة بسوق النقود، ولكن لا يجعلهم ذلك مشاريع اقتصادية، فأهمية الأفكار الدينية أو السياسية للنظم الاقتصادية لا تحول تلك الأفكار إلى عوامل اقتصادية، إنما المسألة تختص بعلاقاتهم الاقتصادية، فقد فسر فبر الديناميكية الاجتماعية على أساس تحليل تعدد العوامل التي يمكن عزلها وقياسها تبعاً لأهمية أسبابها الخاصة، وفعل ذلك بالتحليل المقارن للوحدات القابلة للمقارنة التي توجد في مختلف الثقافات.
ولكن يلاحظ أن فبر كان شديد الميل لإعطاء العوامل اللامادية وخاصة العامل الديني أهمية أكبر، (فيما يختص بالتأثيرات الأولية المختلفة على أنماط الثقافة والمجتمع، بلا ريب أثبت فبر الأسبقية لأنساق التوجيه الديني، وتنبعث هذه النتيجة بوضوح من سلسلة دراسته المقارنة في علم الاجتماعي الديني).
فلقد أكد فبر في علم اجتماعه الديني أن المعتقدات الدينية هي القوى الدافعة للتغير الاجتماعي، ففي رأيه لا شيء أثر في مجرى التاريخ الإنساني بأسلوب ثوري كما فعلت الديانات العالمية الكبرى من حيث النتائج الاجتماعية لتعاليمها، فقد اعتبر فبر أنها تنتمي للقوى الديناميكية الحقيقية للتاريخ.
إذ يعتبر فبر أن انبعاث ديانة جديدة في مجتمع يحدث كسراً كبيراً وهاماً للنمو التاريخي، وذلك أنه (إذا انبعث مجتمع ديني في ظل نبي أو داعية مخلص، أولاً يقع الضبط للسلوك المعتاد في أيدي الخلفاء المؤهلين بمواهب والتلاميذ وأتباع النبي أو المخلص، وكقاعدة يقف النبي أو المخلص شخصياً في تعارض مع القوى التقليدية المقدسة للسحرة أو الكهنة).
(إن النبي في هذه الحالة يضع إلهامه الشخصي في صراع ضد مراكز السحرة والكهنة المؤسسة، ومقاماتهم المؤيدة بالتقاليد، بهدف تحطيم قوتهم أو إجبارهم على اتباعه).
ولهذا يعتبر فبر أن حالات الديانات النبوية عاشت ليس فقط في حالة حادة من التوتر بل ودائمة بالنسبة للمجتمع الذي تظهر فيه، وتزداد حدة هذه التوترات كلما زادت الديانات صدقاً كديانات إنقاذ، ويتضخم أيضاً التوتر كلما كان الأخلاق أكثر رشداً وكلما زاد توجيهها للقيم المقدسة كوسيلة للخلاص.
ويبدو أن دراسات فبر في الديانات وخاصة السماوية جعلته يكتشف العنصر الفعال أو الديناميكي في النبي، وأطلق على هذا العنصر اصطلاح الإلهام (فمفهوم الإلهام كمنبع للحركات الروحية ذات الكثافة العظمى وجد مناسباً لوصف الظواهر العالمية).
وعمل فبر على توسيع مفهوم الإلهام ونقله من المتن الديني إلى الحياة الإنسانية بأسرها، فالقواد الملهمين عنده، هم أولئك الذي يتبعهم من هم في كرب وشدة ويكونوا في حاجة على إتباع قائد لاعتقادهم فيه انه ذو مؤهلات فوق العادة.
وإن كان فبر يؤكد على سيادة الرجل الملهم، فإن فبر لم يقلل من ميكانيكيات النظم، ومن ناحية أخرى لا يعنى ذلك تفسيره ما هو اجتماعي بما هو سيكولوجي، وخاصة مفهوم الشخصية، (فقد كان فبر يرى في مفهوم الشخصية فكرة سيئة الاستعمال جداً، إذ تشير إلى مركز لا عقلي للإبداع، مركز يتوقف عنده البحث التحليلي)، ولهذا كان فبر ينظر دائماً إلى الفرد في متن اجتماعي، (فبالنسبة لعقل الفرد، المعنى والحصول على المعنى لظواهر العالم كانت دائماً مسائل يقررها الفرد في اختياره الحر بين مختلف الأرباب).
وهكذا كان موقف فبر العقلي واضحاً أثناء عملية نقده لبناء فلسفة التاريخ في عصره، فعنده الفرد يفوق ويعلو العالم التجريبي، بواسطة قدرته على أخذ موقف عقلي فيما يختص بالعالم، وأن يختار بين القيم المختلفة، ويستطيع الفرد قيادة أفعاله إلى أعلى المثل.
فعند فبر الأمانة العقلية كانت في عملية الانتخاب العظيمة التي تجريها الشخصية للاختيار بين القيم، فلقد كان يعتبر أن قانون الحياة لأي نمط عقلي كأسلوب للحياة، هو عبارة عن اختيار مسئول من بين مختلف مجموعات القيم التي تقدم نفسها في أي وقت، فعملية الحسابات الرشيدة للدافع والنتائج، أي عملية الاختيار، ترفع الشخصية في ذاتها فوق الطبيعة السفلية الغريزية النامية بلا فروق، واعتبر أن هذا هو العمل الحقيقي لكل العلوم، فعملها هو مساعدة كل فرد في جلاء أفكاره عن المعنى النهائي لأفعاله، بإبلاغه عن الوسائل المناسبة لتحقيق مثله، وقبل كل شيء توضح له الآثار المحتملة لهذه الوسائل على المثل المتنافسة وتضع أمامه النتائج الكاملة لقراراته.
ومن ثم فجوهر الشخصية عند فبر هو فعل عقلي رشيد في خدمة الأهداف الأساسية، ومهما كانت هذه الأهداف شخصية خالصة في الأصل، فإنها تنتمي للمجالات الرفيعة في الشخصية، وهذه المجالات الرفيعة تقف في تعارض مع العمليات العقلية للعالم الجامد، ومن ثم يقوم صراع مستمر بين المبادئ المتعارضة، وفي نفس الوقت ينعكس هذا الصراع في الواقع الاجتماعي، في التضاد بين الرجل الثقافي والرجل التكنيكي، فالشخصية المبدعة التي تحمل وتوجه نحو قيم تعتبر خيالية بالنسبة للواقع الاجتماعي، ولهذا تكون حرة من شروط البيئة (وخاصة التقاليد) ومن ثم تكون في صراع مستمر مع الرجل التكنيكي (أي الرجل المحكوم بالآلة) والرجل النظامي (أي الرجل المحكوم باللوائح والقوانين)، أولئك الذين تحدد الظروف الموجودة أفعالهم، هذه الشخصية المبدعة ذات الديناميكية الاجتماعية التي تظهر عندما تتجمد أشكال الحياة الروتينية وتثبت عدم إشباعها وعدم كفاءتها للسيادة على حالة نامية من التوتر والمعاناة، وضع فبر لمثل هذه الشخصية مفهوم الإلهام، وهكذا نجح فبر في انتزاع مفهوم الشخصية من متنه السيكولوجي وأقامه على أساس اجتماعي.
وبذلك يصبح الإلهام عند فبر عبارة عن شكل من الطاقة الروحية تؤدي إلى انبعاث مثل أخرى غير الموجودة في المجتمع الذي يظهر فيه الشخص الملهم، ومن ثم تضاد بشدة حقائق الحياة اليومية، ولهذا إما أن تصبح ثورية أو أن يتخلص منها المجتمع سريعاً، هذا التوتر بين القيم التي يبشر بها الشخص الملهم وبين الواقع اليومي يتصف بالحدة المتناهية، فهو موقف يتمثل في التعارض بين الحياة اليومية للنظم القديمة وبين الطبيعة التلقائية للقائد الملهم، أي الروتين ضد المشاريع الإبداعية وتقاليد الناس العاديين ضد الحرية الداخلية للرجل الملهم الصاعد وغير العادي، والقواعد النظامية ضد الفرد المنبعث.
ولكن هذا الموقف لا يتضمن ثباتاً أو دواماً، لأن الإلهام في الأيام الأولى ربما يحرك أتباع بطل محارب أو نبي تحت تأثير الحماس والإخلال الذي حركه القائد الملهم عند الناس للتخلي عن أنماطهم وتقاليدهم الموروثة من أجل الأفكار والقيم التي أعلنها، فإذا أريد لهذه الأفكار والقيم دواماً وثباتاً فلا بد من إجراء عملية اجتماعية وهي تحويل هذه القيم إلى أشكال وأساليب في الحياة اليومية، ولما كانت هذه القيم بالمقارنة مع ظروف الحياة اليومية عبارة عن يوتوبيا، فمن ثم في بدء الحركة، يصبح أي تفكير عن التكيف والتكامل مع الظروف الموجودة غريباً عن طبيعتها، ولهذا لا يسأل الأتباع عن النتيجة، ولكن يكافحون بالاقتصار على طاعة وصايا القائد الملهم، وذلك هو السبب في أن حركات الإلهام ثوراتها تنتمي للقوى الديناميكية الحقيقة للتاريخ.
وقد وصف فبر تأثير الإلهام في الآتي: (تؤسس قوة الإلهام على الاعتقاد في بطل ملهم، وعلى الاعتقاد العاطفي لأهمية وقيمة إعلان ديانة أو أخلاق أو فن أو علم أو سياسة أو من أي نوع آخر، وعلى بطولة سواء نسكية أو حربية، وعلى حكمة قانونية وعلى هبات إعجازية أياً كانت وينشدون تشكيل الأشياء والمواقف طبقاً للإدارة الثورية – من الداخل – من مركز في العقل السائد تعلن قوتها الثورية، ومن ثم فهي تقف في تضاد حاد لأي نظام تقليدي أو بيروقراطي، وكقاعدة تدمر قوة الإلهام النظام إذا لم تستطع تطويعه لاتباعها، فالإلهام هو بصفة خاصة قوة التاريخ الثورية المبدعة، ويتركب تأثيرها الثوري من قدرتها على تحوير المعتقدات والاتجاهات نحو كل شيء في الحياة والعالم، فلقد وجد أن تأثيرات مختلف الأخلاق الدينية على وعي الفرد، هي حالات خاصة بهذه الظواهر العالمية).
وتبين من هذا أن فبر يدحض آراء ماركس، إذ كان فبر يؤكد دائماً على أن كل أخلاق دينية يجب -على الأقل في مسلماتها العليا- أن تشتق أصولها من جذور دينية خالصة، وليست متأصلة في اعتبارات اقتصادية أو سيكولوجية، ولقد عارض فبر بشدة الهراء الماركسي من أن الدين كان مجرد بناء أعلى إيديولوجي يرقد فوق الظروف الاقتصادية، ذلك يؤدي إلى عنصر جوهري في المفهوم التاريخي الفلسفي عند فبر، وهو أن المعتقدات الدينية في شكلها الأساسي –أي الإلهام الديني لأفراد قديسين وأنبياء-، هي القوة الدافعة الأساسية للتغير الاجتماعي.
وقد كرس فبر جزءاً كبيراً من عمله الاجتماعي للكشف عن العمليات التي تجريها ظهور كريزما دينية، ولقد بذل جهداً كبيراً في تأسيس خطوط جديدة للتطور التاريخي.
واعتبر فبر أنه لم تكن قوة المصالح المادية الموجودة كافية للتطور التاريخي، إنما في رأيه ما كان مطلوباً لإحداث التغيرات والتطور التاريخي، هو تأملات القوى الروحية من المنطقة السامية عند كريزما دينية، ولم يشأ فبر أن يترك مفهومه ليفهم بمعنى جدلي، ولكن اعتبر أن المصالح – مادية ومثالية – وليس الأفكار، التي تحكم مباشرة أفعال الناس، ومع ذلك فوجهات النظر للحياة التي أبدعتها الأفكار كانت عادة توضح الخطوط التي طبقاً لها تقود القوة الديناميكية لمصالح الفعل، ويقر فبر أن ما يحدد وجهات النظر للحياة هو ما يرغب الإنسان في أن يكون عليه أو ما يرغب الإنسان الحفاظ عليه، وتتضمن هذه الفكرة معارضة صريحة وهدماً قوياً لوجهة النظر الماركسية التي تقرر أنه ليس إدراك الناس هو الذي يعين معيشتهم ولكن معيشتهم الاجتماعية هي التي تعين إدراكهم.
الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية:
أراد فبر أن يثبت تهافت النظرية الماركسية التي تدعي أن النظام الاقتصادي هو المحرك والمغير للحياة الاجتماعية، فقد استطاع فبر أن يكشف عن أن أفكاراً معنية تكمن وراء شكل معين من الفعل الاقتصادي.
ففي علم الاجتماع الديني كشف فبر عن أثر السلوك الموجه بالدين على النظام الاقتصادي، وابتدأ هذا البحث بدراسة أثر ظهور الدين في مجتمع، فأول ظاهرة يصطدم بها هي ظاهرة القرابة، والمعروف أن علاقات القرابة أشد أنواع العلاقات مقاومة، ورغم ذلك وجد فبر أن علاقات الأخوة الدينية بين النبي والأتباع تخفض من قيمة علاقة القرابة، إذ أن على المعتنق للدين الجديد أن يقف وبصفة نهائية أشد التصاقاً بالنبي وأخوته في الدين (ذلك يعني أنه في داخل المجتمع الجديد أنشأت الديانة النبوية أخلاقاً دينية للأخوة، هذه الأخلاق ببساطة اضطلعت بالمبادئ الأساسية للسلوك الاجتماعي والأخلاقي الذي منحه اتحاد الجوار، سواء أكان مجتمع فلاحين أو أعضاء قرابة دموية، أو أعضاء طائفة، أو الشركاء في الملاحة والصيد، فعرفت تلك الجماعات عنصرين أساسيين، الأول: ثنائية أخلاق الجماعة الداخلية والجماعية الخارجية، ثانياً: أخلاق الجماعة الداخلية، ونتيجة لهذه المبادئ في الحياة الاقتصادية، فبالنسبة لأخلاق الجماعة الداخلية وجد الواجب الأساسي للأعضاء وهو المساعدة الأخوية في الأزمات، وأجبر الفني والنبيل على الإقراض بدون فوائد وإعطاء السلع لمنفعة الفقراء الذين لا يملكون، وإعطاء السلف بدون مصلحة، ونشر الضيافة والمعونة بدون مقابل، وبدون تعويض آخر غير المعاونة، كل هذه نتجت من مبدأ احتياجك اليوم قد يكون احتياجي غداً، هذا المبدأ لم يكن بالطبع موزوناً عقلياً (اقتصادياً)، ولكن أدى دوراً في المشاعر، وتبعاً لذلك كانت المساومة في مبادلة السلع ومواقف التسليف مثل الاسترقاق الناتج عن الديون مقصورة على الجماعة الخارجية).
وفي بحثه عن الطوائف البروتستانتية وروح الرأسمالية، يكشف فبر عن أثر الدين في توجيه العلاقات الاقتصادية، فقد لاحظ أنه رغم الفصل الشديد بين الدولة والكنيسة في الولايات المتحدة منذ منتصف القرن التاسع عشر، حيث يعتبر سؤال المواطن عن ملته ضد القانون، ورغم أنه توجد أعباء مالية كبيرة على المنتمين للكنيسة عن مثيلتها في أوروبا، ومع ذلك كان يوجد 99% ينتمون للكنيسة، وكذلك كان سؤال المواطن إلى أي كنيسة ينتمي يحدد مدى الثقة فيه، وكان السؤال يسأل بصراحة وبلا خجل، وعلى ذلك (إذا نظر الإنسان في الحالة في الولايات المتحدة، يمكن أن يرى بسهولة أن السؤال عن البنوة الدينية كان دائماً يوضع في الحياة الاجتماعية وحياة الأعمال التي تعتمد على علاقات دائمة وائتمان وتصديق).
وأورد فبر في بحثه ملاحظات كثيرة رآها بنفسه، وأهمها ملاحظتان: (الأولى عن بائع مسافر معه في القطار يذكر لفبر دون أن يسأله، أن كل فرد قد يعتقد أو لا يعتقد كما يحب، ولكن إذا رأيت فلاحاً أو رجل أعمال لا ينتمي إلى أي كنيسة على الإطلاق، لن أثق فيه في خمسين سنت، ثم يقول البائع: لماذا يدفع لي إذا كان لا يعتقد في شيء).
والملاحظة الهامة الثانية يذكر فبر فيها (أنه حضر حفل تدشين لأعضاء من طائفة البابتست وفي هذا الحفل رأى أعضاء الطائفة وقد أتوا من أماكن بعيدة إلى مكان التدشين، وهو عبارة عن حوض ماء يغذيه نهير صغير ينحدر من الجبال الزرقاء، وكانت باردة ومتجمدة، ورأى القسيس في حلة سوداء غارقاً في هذا الحوض حتى صدره، ورأى حوالي عشرة أشخاص في أبهى حلل يوم الأحد، وخطوا في البركة واحداً وراء الآخر، واعترفوا بعقيدتهم البابتستية وغاصوا تماماً ثم وقفوا مرتعشين يرتجفون في ملابسهم المبللة، وخرجوا من البركة وهنأهم كل الحاضرين، وكان أحد أقارب فبر معه، وأشار إلى رجل كان غارقاً في البركة، وقال له: أنظر إليه لقد قلت لك ذلك، ولما سأله فبر، لماذا توقع قدومه؟ أجابه قريبه: لأنه يريد افتتاح بنك في مدينة (m) فسأله فبر هل هناك بابتستيون عديدون حوله حتى يمكنه أن يعيش؟ فأجابه قريبه: ليس على الإطلاق، ولكن مجرد أن يصبح بابتست سوف يحصل على رعاية وتأييد كل المنطقة وسوف ينتصر في المنافسة على كل واحد).
وأورد فبر ملاحظات أخرى كثيرة من هذا النوع، مما دفعه إلى تحليل هذه الظاهرة، ولقد وجد أن الانتماء إلى طائفة دينية معروف لدى المجتمع على أنه ضمان مطلق للكيفيات الأخلاقية للرجل، وخاصة تلك النوعيات المطلوبة للأعمال، وبذلك يضمن الانضمام إلى طائفة البابتست تسليم كل الإقليم وتصديق غير محدود وبلا أي منافسة، (فبصفة عامة هؤلاء الرجال الفنيين الذين نجحوا في الأعمال هم أولئك الذين ينتمون إلى ميثودست أو بابتست أو الطوائف الأخرى).
وقد بحث فبر عن سبب تصديق الناس لعضو الطائفة، فوجد أن الطائفة أولاً متمسكة بالتقاليد الدينية، ومن ثم فهي لا تسمح بالانضمام لعضويتها إلا بعد استفسار دقيق عن السلوك، قد يمتد إلى الوراء إلى عهد الطفولة، ومن ناحية أخرى أن عضو الطائفة إذا وقع في ضائقة اقتصادية نتيجة خطأ لا إرادة له فيه، فإن الطائفة تنظم وترتب له أموره، فتعطيه ضمانات لدائنيه وتساعده بكل أسلوب، ومن ثم يصبح توقع الدائنين والمتعاملين مع عضو الطائفة، الاطمئنان، مما يجعلهم يدفعون إليه بأموالهم لاستثمارها دون خوف، إذ أن الطائفة من أجل مكانتها وهيبتها سوف لا تسمح بأن يعاني الدائنون أي خسائر بسبب عضو الطائفة الذي وقع في خطأ لم تعتبره الطائفة حاسماً بالنسبة لفرصه في النجاح، إذ المفروض أن الطائفة التي تعتبر نفسها ذات سمعة حسنة، لم تقبل في عضويتها إلا شخصاً ذا سلوك جعله مؤهلاً أخلاقياً، ومن ثم فإن عضوية الطائفة تعني شهادة عن كفاءة أخلاقية، وخاصة أخلاق الأعمال عند الفرد)، ويعتبر فبر أن هذا عكس العضوية في الكنيسة التي يولد فيها الفرد وتضع بركتها على الصالح وغير الصالح، فالبنوة الكنسية هي في الأصل إجبارية، ومن ثم لا تدل على شيء بالنسبة للكيفيات ونوع العضو،ولكن الطائفة هي اتحاد اختياري للمؤهلين دينياً وأخلاقياً، وبالتالي، (الطرد من الطائفة لفرد بسبب جرائم أخلاقية يعني اقتصادياً خسارة الضمان والتأمين، واجتماعياً الخروج من الطبقة).
وقد كرس فبر جهداً كبيراً للكشف عن أصل هذه الظاهرة وتطورها، فيذكر أنه في القرون الوسطى كان المسيحيون هم فقط المواطنون بالكامل، وكان الحرمان من عضوية الكنيسة له أيضاً نتائج سياسية، ولما أصبحت أوروبا كلها مسيحية، وترعى الكنيسة الصالح وغير الصالح، تطورت المسألة إلى مبدأ من مبادئ المسيحية، وهم المحافظة على نقاء العشاء الرباني، وتبع ذلك قضية من له الحق في اختيار أو طرد فرد من العشاء الرباني لضمان طهارته، ويذكر فبر أن هذه القضية شغلت أوروبا خلال القرن السابع عشر، وعند نشأة الطوائف الدينية وخاصة البيوريتان، اعتبرت نفسها مسئولة عن نقاء العشاء الرباني، ووضعت أسساً للاختيار لعضوية الطائفة، تضمن بها أن لا ينضم لعضويتها إلا الأفراد ذوي النوعيات والكيفيات الأخلاقية الدينية التي تؤهلهم لحضور العشاء الرباني، ويذكر فبر أنه دار الصراع خلال قرون بين المبدأين، الأول الخاص بالكنيسة كاتحاد إجباري لإدارة عملية الصفح والبركة، والثاني الخاص بالطائفة كاتحاد اختياري لأشخاص مؤهلين دينياً.
ويركز فبر الانتباه على أثر مبدأ الاختيار ونتائجه العملية الهامة في التأثير على السلوك، بالإضافة إلى الفكرة الحاسمة لحفظ العشاء الرباني نقياً، ومن ثم طرد الأشخاص غير المتطهرين، قادت فبر إلى معاملة نظام الكنيسة على أنه فشل في تشكيل الوظائف، واعتبر أن البيورتانيين القدماء هم الذين اقتربوا من نظام الطوائف.
فلقد كان نظام كنيسة البيوريتان والطوائف يعمل من خلال فكرة ضرورة حاجة الفرد لامتلاك مقدراته، وكان نظام يربي ويختار النوعيات، فعضو الطائفة عليه أن يكون لديه نوعيات من نوع معين لدخول دائرة المجتمع، كون الفرد حائزاً لتلك النوعيات، كان مهماً لنمو الرأسمالية الحديثة الرشيدة، إذ لكي يحافظ العضو على مصيره في هذه الدائرة، عليه أن يثبت باستمرار أنه حائز على هذه النوعيات، وأنها متولدة فيه باستمرار وثبات، وطبقاً لكل الخبرات لم يكن هناك وسائل أقوى لتربية السمات من تربيتها خلال ضرورة أن يثبت الفرد ذاته في دائرة اتحادية، ولذلك كان النظام الأخلاقي المستمر والمؤدب العنيف للطائفه، مرتبط بنظام سلطة الكنيسة البيوريتانية كتربية واختيار رشيد، وذات علاقة بالمسموحات والممنوعات، ووضعت الطوائف البيوريتانية فكرة اهتمام الفرد بالاحترام الاجتماعي كأعظم قوة في خدمة تربية تلك السمات، وبذلك وضعت الدوافع الفردية والمصالح الذاتية للشخص أيضاً في خدمة المحافظة على الأخلاق البيوريتانية البرجوازية ونشرها، ويقوم هذا الأسلوب في التربية على أساس المكافآت المقررة على السلوك، وتعمل هذه المكافآت من خلال شكل وظروف الوسائل الخاصة بالخلاص، فكانت توضع المكافأة على إثبات الذات أمام الرب بمعنى الحصول على الخلاص، الذي يوجد عن كل الطوائف البيوريتانية، والثاني إثبات الذات أمام الناس، بمعنى تملك مصير الذات اجتماعياً في داخل طائفة البيوريتان، كل من المظهرين متبادلين ومتكاملين ويعملان في نفس الاتجاه، فهما يساعدان على إعطاء روح الرأسمالية الحديثة.
ذلك بالإضافة إلى أن هذه الطوائف شكلت أحد أهم الأسس التاريخية لنزعة الفردية الحديثة التي تعتبر الحجر الأساس في المذهب الرأسمالي الحديث، ويتضح من ذلك أن فبر يركز ليس على المذهب الأخلاقي للديانة في ذاته، ولكن على ذلك الشكل من السلوك الأخلاقي الناتج عنه، ذلك السلوك عند البيوريتانيين، كان أسلوباً للحياة معين ومنهجي وعقلي، مهد الطريق لروح الرأسمالية الحديثة.
وأيضاً في بحثه عن الخلفية الدينية لتلك الطوائف البروتستانتية، وجد فبر في وثائقهم الأدبية، ما يؤيد أثر المبادئ الدينية لهذه الطوائف في نشأة روح الرأسمالية الحديثة، فلقد وجد في وثائق الكويكرز والبابتست تكراراً وتركيزاً على حقيقة أن الخطيئة ابنة العالم تعمل على فقد الثقة في الأعمال بين الواحد والآخر، ولكن لهم ثقة في الاستقامة الدينية للمتدين، ولهذا أعطى الناس الائتمان وأسلموا أموالهم فقط للمتدينين، وأجروا عمليات الشراء في حوانيتهم، لأنه هناك وهناك فقط يجدون الأثمان المحددة والأمينة، وكما هو معروف يقول دائماً البابتستيون أنهم أول من رفع سياسة تحديد السعر إلى مبدأ، وبالإضافة للبابتست، أعلن الكويكرز صيحة تكشف عنها الفقرة التالية التي جذبت انتباه فبر، عثر عليها زميل له في البحث في وثائقهم، (فلم يكن الأمر يتعلق بالقانون، إذ كان يتمسك الأعضاء الأوائل بكلماتهم وارتباطاتهم إذ يعتبرونها مقدسة.. هذه السمة لوحظ أنها صادقة لديهم في أعمالهم التجارية، وعند بداية ظهورهم كمجتمع، عانوا كثيراً كرجال تجارة، لأن الآخرين استاءوا من أحوالهم الخاصة، إذ أخذوا زبائنهم من حوانيتهم، ولكن بعد قليل كانت الصيحة العظمى ضدهم أنهم أخذوا تجارة البلاد في أيديهم، نشأت هذه الدعوى جزئياً من تحررهم الشديد من التعقيدات التجارية بينهم وبين الآخرين، وكلية لأنهم لم يطلبوا سعرين للسلع التي يبيعونها).
وكذلك وجد فبر أن هذه الطوائف تعتقد في أن الرب يبارك ويتفضل بالغنى على من يسره خلال التضحية أو خلال نوع سلوكه، وحولت الطوائف البروتستانتية تلك الفكرة إلى مجال العمل، فكانت إحدى مبادئ الرأسمالية المبكرة – وهو الأمانة خير وسيلة – هذه العلاقة بين المبدأ الديني والمبدأ الرأسمالي كانت توجد عند كل الطوائف، ولكن كصفة متميزة ومستمرة وثابتة، فإنها توجد فقد عند البروتستانت.
يعتبر فبر أن (كل النمط الأخلاقي البرجوازي كان شائعاً منذ البداية عند كل طوائف التقشف، وهي متماثلة ومتطابقة للخلق الذي تمارسه الطوائف في أمريكا في الوقت الحاضر، مثلاً الميتودست يحرمون الآتي:
1 – المساومة أثناء البيع والشراء، 2 – البيع بالآجل، 3 – جعل معدلات الربح أعلى مما يسمح به قانون البلاد، 4 – حشد الكنوز في الأرض، (أي عدم تحويل رأس المال السائل إلى الاستثمار في السندات الحكومية)، 5 – الإقراض بدون التأكد من قدرة الإنسان لإعادة دفع الدين، 6 – الكماليات من كل نوع، وإلى جانب هذا الخلق هناك المكافآت الاجتماعية والأسس التنظيمية للطائفة الدينية.
وكانت هذه الاتحادات، بصفة خاصة، المراكب النموذجية للارتقاء الاجتماعي في دائرة رجال الأعمال من الطبقة المتوسطة، إذ يعني الانضمام إلى الطائفة أنه رجل مختبر أخلاقياً يستحق الائتمان، ويذكر فبر أنه يمكن بسهولة ملاحظة أن فرص العمل كانت غالباً تتأثر بصفة حاسمة بهذا التصديق الشرعي، ومن ثم عملت هذه الطوائف على حفظ وانتشار روح أعمال البرجوازيين الرأسماليين بين شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة، فالطبقة المتوسطة، لاسيما الشريحة الصاعدة، كانوا حملة هذا الاتجاه الديني الخاص، والذي يمكن للفرد ملاحظته بينهم كمحدد لفرص النجاح، ويذكر فبر، أنه معروف جيداً أن كثيراً من المؤسسين الأمريكان بل معظم رؤساء الصناعة والأقطاب الموثوق بهم ينتمون رسمياً للطوائف وخاصة البابتيست.
ويذكر فبر أن الإمعان الدقيق يكشف التقدم المتواصل لصفات عملية التحول للعلمانية في الزمن الحديث، التي استسلمت لها كل الظواهر التي نشأت في مفاهيم دينية، وليس فقط الاتحادات الدينية، والطوائف الدينية، التي كان لها تأثير كبير على الحياة الأمريكية ورغم أن الاهتمام الكنسي كان يتدهور بسرعة، ورغم أن كثيراً من هذه الظواهر بدت وكأنها تتفكك بسرعة وخاصة في المنظمات الدينية، ومع ذلك يوجد لها رواسب ما تزال حية في عديد من الميادين، فلقد ظلت صفة الائتمان لعضو الطائفة ثابتة.
فأصبح نوع الطوائف التي ينتمي إليها الفرد هي بالأحرى لا يعنيها الأمر سواء أكان الفرد ماسوني أو مسيحي أو علماني أو أدفنسنت أو كويكر أو لا شيء، ما هو حاسم، أن يسمح الاقتراع بعضوية الفرد، بعد اختبار وتجربة أخلاقية في مفهوم الفضائل المرغوب فيها للتقشف البروتستانتي، ومن ثم للتقاليد البيوريتانية القديمة، ولهذا يمكن ملاحظة نفس الأثر لعملية الاختيار.
وهكذا أصبحت للطوائف الدينية والاتحادات الكثيرة الخاصة المشابهة والنوادي، في أمريكا، المؤسسة على عملية التجميع عن طريق الاقتراع، لها أهمية سياسية واجتماعية، حتى أن الحياة الكلية لليانكي النموذجي من الجيل الماضي سارت خلال سلسلة من هذه الاتحادات، مبتدئة بنادي الأولاد في المدرسة، ومتقدمة إلى نادي رياضي أو لأي نادي طلابي من أي نوع، وإلى الأمام إلى أحد من النوادي المشهورة لرجال الأعمال والبرجوازيين، وأخيراً إلى نادي أغنياء منطقة المتروبوليتان.
ويعتبر فبر أن كثيراً من هذه النوادي الحاملة لتلك الاتجاهات تقود نحو جماعات المكانة العالية التي تميز النمو الأمريكي المعاصر، وتنمو هذه الجماعات المكانية إلى جانب الثراء المجرد، وبشكل أكثر في تعارض معه، ففي أمريكا مجرد النقود في ذاتها تشتري القوة أيضاً، ولكن ليس الشرف الاجتماعي، بالطبع إن النقود وسيلة لاكتساب المهابة الاجتماعية، لقد كان التقليد القديم في أمريكا يحترم الرجل العصامي، وكان الطريق إلى الشرف الاجتماعي يعتمد على البنوة لكنيسة، وأخوة مهذبة في كلية متميزة، ورسمياً مع طائفة ممتازة، في الوقت الحاضر بدلاً من البنوة لطائفة، أصبح الانتماء لنادي متميز أمر جوهري، منذ الماضي وحتى الحاضر الصفة الدقيقة للديموقراطية الأمريكية أنها مركب من الاتحادات الخاصة جداً، ولكن الاختيارية، ومن يريد أن يكون معروفاً في هذه الديموقراطية، في أي مركز كان، ليس عليه أن يتطابق مع تقاليد مجتمع برجوازي فقط، ولكن كقاعدة عليه أن يكون قادراً على إظهار نجاحه في اكتساب القبول بواسطة الاقتراع لإحدى الطوائف أو النوادي أو مجتمعات الأخوة، وليس المهم من أي نوع كانت المهم أنه معروف أنها تصديق شرعي كاف، وذلك الذي لا ينجح في الانضمام أو يتجاهل فعل ذلك، عليه أن يأخذ الطريق الصعب وخاصة في الحياة العملية.
وعلى هذا يصبح المركز الحديث للنوادي الدنيوية والمجتمعات التي تحصل على أعضائها عن طريق الاقتراع، هي إلى حد كبير نتيجة عملية التحول إلى العلمانية، وتشتق مراكزها من الأهمية الخاصة للنموذج الأصلي لهذه المؤسسات الاختيارية، أي الطوائف الدينية.
نظريته في الطبقات:
يتضمن بحث فبر عن أثر الطوائف البروتستانتية وروح الرأسمالية، تركيزاً على عملية الاختيار القائمة على أساس اختيار ديني وأخلاقي، وذلك عندما كانت الطوائف الدينية تسود المجتمع الأمريكي، وعند تطورها نتيجة عملية العلمانية إلى اتحادات ونوادي، احتفظت هذه الأنواع الأخيرة بالسمات الرئيسية لعملية الاختيار، فأصبحت عملية الاقتراع تقوم بنفس الدور لضمان كفاءة العضو وأهليته لعضوية الجماعة، وظلت هذه العضوية تحمل السمات الرئيسية لعضوية الطوائف الدينية في الماضي، أي التصديق الشرعي بكفاءة العضو وأهليته للائتمان، ومن ناحية أخرى تعتبر تأييداً في مجال الأعمال، أي تعضيداً له في موقفه الاقتصادي، وهذا يتضمن زيادة فرص الحياة، ويعتبر مفهوم فرص الحياة من المفاهيم الأساسية في تحديد الموقف الطبقي.
وإذا كان أسلوب التوزيع للممتلكات المادية يحدد فرص الحياة في سوق المنافسة كما يذهب إلى ذلك كل من ماركس وفبر، فإن هذه الممتلكات المادية والحصول عليها تأثرت بشدة بعملية الترشيد البروتستانتي للمجال الاقتصادي، إذ أن عملية الترشيد دفعت أعضاء هذه الطوائف للإقلال من السلع الاستهلاكية، وعدم تجميد رؤوس الأموال، مما أدى إلى سرعة تراكم رؤوس الأموال لديهم، ومن ناحية أخرى مبدأ بذل أقصى جهد في العمل إذ النجاح في مجال الأعمال يباركه الرب ودليل على رضاه، يؤدي بالتالي إلى زيادة الممتلكات المادية، التي تؤدي بدورها إلى زيادة فرص الحياة، وزيادة القدرة على المنافسة في السوق، كل هذا يكشف بجلاء عن أثر الأفكار في توجيه الفعل الاقتصادي، والأهم في تحدي الموقف الطبقي، وأيضاً في عملية الحراك الاجتماعي.
وهكذا يمكن القول أن فبر في دراسته للعضوية في طائفة أو اتحاد أو ناد كشف عن التداخل الشديد بين المكانة الاجتماعية والموقف الطبقي، وفي دراسته للأخلاق البروتستانتية وعلاقتها بالمجال الاقتصادي كشف عن أثر الأفكار في الحراك الاجتماعي وبالتالي في تحديد الطبقة.
فإذا كان الموقف الطبقي يحدده بدقة الموقف الاقتصادي كما يذهب إلى ذلك ماركس، فإن فبر أفصح عن التداخل الشديد بين ذلك الموقف، وموقف آخر هو موقف جماعة المكانة الاجتماعية المشتق من العضوية في طائفة أو اتحاد أو ناد، أي العضوية في جماعة مكانة، وهذا الموقف الأخير يحدده تقييم اجتماعي، ويقوم في أساسه على عنصر لا مادي وذاتي.
ويعتبر فبر أنه بهذا العمل قد استطاع أن يمزج بين النظريتين الاجتماعيتين المتقابلتين، وهما النظرية الذاتية والنظرية الموضوعية عن التدرج الطبقي، فالاقتصاديين الكلاسيك الإنجليز وخاصة ركاردو والذي أخذ عنهم ماركس يمثلون النظرية الموضوعية، فوصفوا الطبقة في مصطلحات من الدخول، وثمن ثم يتكون البناء الطبقي من مالك الأرض وصاحب المشروع والعامل، لا يهم ما إذا كانت تدرك الطبقة شيئاً عن موقفها أم لا، فموقفهم الطبقي قد حدده بدقة موضعهم ووظيفتهم في داخل النظام الاقتصادي الموضوعي، وإن كان ماركس لم يقف عند هذا الحد فقد أضاف وجهاً جديداً تاريخياً، بإبراز الطبيعة الخاصة الحديثة للطبقات البرجوازية والبروليتاريا.
أما النظرية الذاتية للطبقات، فقد وضعت أهمية كبرى على السمات النفسية لأعضاء الطبقات الاجتماعية، فمفاهيم الاحترام والشرف الاجتماعي والعناصر التصورية للآراء السياسية والدينية والمشاعر المتعلقة بأسلوب الحياة المحلية أو الإقليمية ظهرت في تلك النظريات لتحل محل النظريات الصارمة الجامدة للاقتصاديين.
ويلاحظ أن تشكيل (جماعة المكانة) يعزى إلى فكرة يتمسك بها بصفة عامة أعضاء الجماعة، هذه الفكرة بدورها لها نتائج اجتماعية واقتصادية حيوية، وبالمثل تشكيل جماعة الطبقة يحدده الموقف الاقتصادي الذي يشارك فيه الجماعة، وهذا الموقف المادي المشترك، يتشكل أساساً من تأثير الأفكار بين أعضاء الجماعة، تلك الأفكار تكون كامنة، وكمونها لا ينفي وجودها، إذ تظهر واضحة جلية عندما تتوفر لها قيادة توجهها نحو أهداف، إذ يعتبر فبر (أن درجة انبعاث الفعل المشترك وربما الفعل الاجتماعي من الأفعال الجمعية لأعضاء طبقة هي متعلقة بالظروف الثقافية العامة، وخاصة تلك التي من النوع العقلي، وهي أيضاً متعلقة بمدى المتناقضات التي تولدت فعلاً، وبصفة خاصة متعلقة بوضوح الصلة بين أسباب ونتائج الموقف الطبقي، ومهما يكون اختلاف فرص الحياة، فهذه الحقيقة في ذاتها طبقاً لكل التجارب والخبرات، بلا شك تعمل على توليد العقل الطبقي، ولكنه مشروط بالإدراك الواضح لنتائج الموقف الطبقي لأنه عند ذلك فقد يمكن الإحساس بتناقض فرص الحياة).
ويبدو من عمل فبر أنه كان يعنى أولياً بالتواترات والتداخل بين الطبقة والمكانة، وبين المصلحة والفكرة، لأنه رأى في ذلك ديناميكية النمو التاريخي ذلك يعني أن فبر لم ير في الصراع الطبقي ما رأته الماركسية من دور حاسم في مسار التاريخ الإنساني، وإن كان فبر لم ينكر الصراع الطبقي ونصيبه في التاريخ، إلا أنه اعتبر (أن الصراعات الطبقية القديمة، كانت صراعات طبقية حقيقية إلى حد بعيد، ولست صراعات بين جماعات مكانة)، واعتبر تركيز ماركس على العامل الأجير الذي أفرزته وسائل الإنتاج، ما هو إلا مجرد حالة خاصة من اتجاه عالمي، فبالمثل أفرزت وسائل العنف الجندي الحديث، وأفرزت وسائل البحث العالم، ووسائل الإدارة الموظف المدني، وهكذا حاول فبر وضع أعمال ماركس في مضمون أكثر عمومية، موضحاً أن نتائج ماركس تقوم على ملاحظات اشتقها من حالة خاصة رتبها ماركس، ولم يمكن رؤيتها أحسن كإحدى الحالات في سلسلة واسعة من الحالات المتشابهة، واعتبر فبر أن السلسلة ككل توضح الاتجاه المتميز الواسع لعملية البيروقراطية، وهكذا وضع فبر في مقابل الصراع الطبقي عند ماركس مفهوم البيروقراطية الرشيدة.
مفهوم الترشيد:
فلقد اعتبر ماركس أن الاقتصاد الحديث لا عقلي أساساً، هذه اللاعقلية للرأسمالية تنتج من تعارض التقدم التكنولوجي الواعي لقوى الإنتاج، وبين قيود الملكية الخاصة والربح الخاص ومنافسة السوق غير المنظمة، ومن ثم يتميز النسق بفوضى الإنتاج.
ولكن فبر لم يركز انتباهه على مشاكل ديناميكيات الرأسمالية ومشكلة دورة العمل والأزمات الرأسمالية، التي شغلت انتباه ماركس وجعلته يصف الرأسمالية بفوضوية الإنتاج، هذا الإغفال الذي تعمده فبر له أهمية بالنسبة لمفهومه عن الترشيد في المجتمعات الحديثة.
فعند ماركس خدمت العناصر العقلية للمجتمع، العناصر التي لا يمكن السيطرة عليها واللاعقلية، فعملت بذلك على زيادة المتناقضات، بينما عند فبر الرأسمالية هي الشكل الأعلى للعمليات العقلية، فتفصح نظمها عن تجسيد للعقلية في نمط من البيروقراطية، فتتنافس المؤسسات الكبيرة مع الدولة البيروقراطية فقط في رفع الكفاءة العقلية واستمرار العملية والسرعة والدقة وحساب النتائج، ويستمر كل هذا في داخل النظم التي تدار عقلياً وتشغل الوظائف المؤتلقة والمتخصصة مركز الانتباه في النظام، ومن ثم يكون كل البناء ديناميكياً.
وهكذا أثبت فبر للبيروقراطية وجهها العقلي، وأظهر إعجابه بالنظام الرأسمالي المدار بيروقراطياً، واعتبر أن الرأسمالية الصناعية الحديثة استوعبت النظم الأخرى في تصورها هي، المتجهة نحو الترشيد لكل وجوه الحياة.
ويلاحظ أن هناك خط فكري واضح يربط بين شتى بحوث فبر، وهو عنصر الترشيد، الذي يظهر بوضوح أنه أكثر العناصر عمومية في فلسفته عن التاريخ، حتى أنه يجعل من فلسفة فبر كنظرية تطورية تجعل من التاريخ نمواً مستقيماً، فلقد اعتبر فبر أنه خلال نشأة النظم وتدهورها، وصعود وهبوط الطبقات والأحزاب والحكام، أتمت الإنسانية الاتجاه العام للترشيد الدنيوي، واعتبر فبر أن هذه العملية استلزمت إيقاظ العالم وإزالة أوهامه، ومن ثم يقاس المدى والاتجاه للترشيد سلبياً في مصطلحات من درجة إزاحة العناصر السحرية، وإيجابياً إلى مدى ما ربحته الأفكار بانتظام من تماسك ودوام، وهكذا (يجعل مفهوم الترشيد أعمال فبر تظهر كما لو كانت مسألة نمو مستقيم، لنقول من السحر إلى التفكير العلمي أو من اتجاه أولي سياسي إلى اتجاه أولي رأسمالي للمشاريع الاقتصادية).
وفي علم اجتماعه الديني نجد عنصر الترشيد واضحاً، فقد تتبع فبر تحليل تدهور السحر حتى ظهور الأنبياء أي الديانات العالمية، واعتبر هذه العملية ترشيداً متزايداً في مقابل التدهور للسحر، وفي مقال فبر عن التوترات بين الديانات الأخوية والمجال الاقتصادي كشف عن عمليات الترشيد التي اتخذتها الطوائف، وفي مقاله عن البروتستانتية جعل تعاليم (كالفن) عن القدرية النقطة الأساسية للتحليل، وأظهر في هذا التحليل عملية الترشيد المتزايد للمذهب اللاهوتي، ولما كان مهتماً أيضاً بتحليل السلوك الإنساني، ففي قلب هذا التحليل وجد الخوف الديني للمؤمن من أجل خلاص روحه، ذلك الخوف قدم الدوافع للتنظيم المنهجي للحياة التي رأى فيها جوهر روح الرأسمالية، وكذلك بذلت الطوائف البروتستانتية جهداً ترشيدياً كبيراً لتشكيل الحياة الاقتصادية ومن أجل هذا الغرض حلل فبر أنواعاً أخرى من عمليات الترشيد في الديانات الصينية والهندية.
لهذا اعتبر فبر عملية الترشيد قوة ثورية هامة للتاريخ لا تقل أهمية عن القوة الثورية للإلهام، ولقد بحث الأساليب الخاصة التي يحصل بها الترشيد على القوة المهيمنة على الحياة الاجتماعية، فوجد أنه بينما يعمل الإلهام من خلال عملية ثورية العقول، فإن عملية الترشيد تعمل من خلال ثورية الظروف المادية للحياة، ومن ثم فمنطقتها أصلاً في المجال الاقتصادي، واعتبر فبر الرأسمالية هي أعظم قوة ثورية في العالم الحديث تماماً مثل ما في السياسة، وفي كل من الحالتين البيروقراطية هي مركبة العملية الثورية، واعتبر بذلك البيروقراطية هي الشكل الفني الأكثر كفاءة عقلياً، واعتبر أن العوامل الروحية تلعب دوراً هاماً في الإنجاز والإسراع بهذه العملية، وهي عملية الترشيد العالمي.

0 التعليقات:

أترك تعليقك هنا... نحن نحترم أراء الجميع !

Related Posts with Thumbnails

Choose Your Language Now

ابحث في المكتبات الاجتماعـية

Loading

قسم الاستفسارات السريعة

اشترك معنا ليصلك الجديد

إذا أعجبك موقعنا وتريد التوصل بكل المواضيع الجديدة ،كن السبّاق وقم بإدخال بريدك الإلكتروني وانتظر الجديد

لا تنسى تفعيل الإشتراك من خلال الرسالة البريدية التي سوف تصلك علي بريدك الإلكتروني.

المواضيع التي تم نشرها حديثا

شكر خاص لزائرينا الكرام

شاركونا تعليقاتكم على أى موضوع وسوف نقوم بالرد عليها فور وصولها شكراً لزيارتكم موقعنا .. العلوم الاجتماعية .. للدراسات والأبحاث الاجتماعية,ومقالات علم الاجتماع والخدمة الاجتماعية,وعلم النفس والفلسفة,وباقي فروع العلوم الاجتماعية الأخرى .. العلوم الاجتماعية © 2006-2014

أهمية الوقت في حياتنا

تقييم العلوم الاجتماعية